الجصاص

161

أحكام القرآن

فلما كان في حكم الدخول في باب استحقاق كمال المهر ووجوب العدة جعله كذلك في حكم التحريم . والدليل على أن أمهات النساء يحرمن بالعقد قوله تعالى : ( وأمهات نسائكم ) ، هي مبهمة عامة كقوله : ( وحلائل أبنائكم ) وقوله : ( ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء ) ، فغير جائز تخصيصه إلا بدلالة . وقوله تعالى : ( وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن ) حكم مقصور على الربائب دون أمهات النساء ، وذلك من وجوه : أحدها أن كل واحدة من الجملتين مكتفية بنفسها في إيجاب الحكم المذكور فيها ، أعني قوله تعالى : ( وأمهات نسائكم ) وقوله تعالى : ( وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن ) ، وكل كلام اكتفى بنفسه من غير تضمين له بغيره ولا حمله عليه وجب إجراؤه على مقتضى لفظه دون تعليقه بغيره ، فلما كان قوله : ( وأمهات نسائكم ) جملة مكتفية بنفسها يقتضي عمومها تحريم أمهات النساء مع وجود الدخول وعدمه ، وكان قوله تعالى : ( وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن ) جملة قائمة بنفسها على ما فيها من شرط الدخول ، لم يجز لنا بناء إحدى الجملتين على الأخرى بل الواجب إجراء المطلق منهما على إطلاقه والمقيد على تقييده وشرطه ، إلا أن تقوم الدلالة على أن إحداهما مبنية عن الأخرى محمولة على شرطها . وأخرى ، وهي أن قوله تعالى : ( وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم ) يجري هذا الشرط مجرى الاستثناء ، تقديره : وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم إلا اللاتي لم تدخلوا بهن ، لأن فيه اخراج بعض ما انتظمه العموم ، فلما كان ذلك في معنى الاستثناء وكان من حكم الاستثناء عوده إلى ما يليه إلا أن تقوم الدلالة على رجوعه إلى ما تقدم ، وجب أن يكون حكمه مقصورا على الربائب ولم يجز رده إلى ما تقدمه إلا بدلالة . وأخرى ، وهي أن شرط الدخول تخصيص لعموم اللفظ ، وهو لا محالة مستعمل في الربائب ورجوعه إلى أمهات النساء مشكوك فيه ، وغير جائز تخصيص العموم بالشك ، فوجب أن يكون عموم التحريم في أمهات النساء مقرا على بابه . وأخرى ، وهي أن إضمار شرط الدخول لا يصح في أمهات النساء مظهرا ، لأنه لا يستقيم أن يقال : وأمهات نسائكم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن ، لأن أمهات نسائنا لسن من نسائنا والربائب من نسائنا ، لأن البنت من الأم وليست الأم من البنت ، فلما لم يستقم الكلام بإظهار أمهات النساء في الشرط لم يصح إضماره فيه ، فثبت بذلك أن قوله : ( من نسائكم ) إنما هو من وصف الربائب دون أمهات النساء . وأيضا فلو جعلنا قوله : ( من نسائكم اللاتي دخلتم بهن ) نعتا لأمهات النساء وجعلنا تقديره : وأمهات نسائكم من